الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
151
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
زالت أكلة خيبر تعتادني كل عام حتى كان هذا أوان قطع أبهري » « 1 » . وبقوله : وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ تحقّق معنى الإسلام الذي أصله الإلقاء بالنّفس إلى المسلم له ، وهو المعنى الذي اقتضاه قوله : فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ كما تقدّم في سورة آل عمران [ 20 ] ، وهو معنى الحنيفية الذي حكاه اللّه تعالى عن إبراهيم عليه السّلام في قوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ كما في سورة البقرة [ 131 ] . وقوله : رَبِّ الْعالَمِينَ صفة تشير إلى سبب استحقاقه أن يكون عمل مخلوقاته له لا لغيره ، لأنّ غيره ليس له عليهم نعمة الإيجاد ، كما أشار إليه قوله في أوّل السورة [ 1 ] : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ . وجملة : لا شَرِيكَ لَهُ حال من اسم الجلالة مصرّحة بما أفاده جمع التّوكيد مع لام الملك من إفادة القصر . والمقصود من الصّفة والحال الردّ على المشركين بأنّهم ما أخلصوا عملهم للذي خلقهم ، وبأنّهم أشركوا معه غيره في الإلهيّة . وقرأ نافع : وَمَحْيايَ - بسكون الياء الثّانية - إجراء للوصل مجرى الوقف وهو نادر في النّثر ، والرّواية عن نافع أثبتته في هذه الآية ، ومعلوم أنّ الندرة لا تناكد الفصاحة ولا يريبك ما ذكره ابن عطيّة عن أبي عليّ الفارسي : « أنّها شاذّة عن القياس لأنّها جمعت بين ساكنين لأنّ سكون الألف قبل حرف ساكن ليس ممّا يثقل في النّطق نحو عصاي ، ورؤياي ، ووجه إجراء الوصل مجرى الوقف هنا إرادة التّخفيف لأنّ توالي ياءين مفتوحتين فيه ثقل ، والألف النّاشئة عن الفتحة الأولى لا تعدّ حاجزا فعدل عن فتح الياء الثّانية إلى إسكانها » . وقرأه البقيّة - بفتح الياء - وروي ذلك عن ورش ، وقال بعض أهل القراءة أنّ نافعا رجع عن الإسكان إلى الفتح . وجملة : وَبِذلِكَ أُمِرْتُ عطف على جملة إِنَّ صَلاتِي إلخ . فهذا ممّا أمر بأن يقوله ، وحرف العطف ليس من المقول . والإشارة في قوله : وَبِذلِكَ إلى المذكور من قوله : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي إلخ ،
--> ( 1 ) الأبهر - بفتح الهمزة وسكون الباء وفتح الهاء عرق في القلب .